أحمد بن محمد مسكويه الرازي
457
تجارب الأمم
- « اقعد ، هيه ، كيف قلت وما صنع بك ؟ » فقال : - « إنّه كفاني الطلب ، وصان وجهي عن السؤال ، فلم أقف على باب عربىّ ولا عجمىّ منذ رأيته ، أفلا يجب علىّ أن أذكره بخير وأتبعه [ 484 ] بثنائى ؟ » قال : « بلى والله ، للَّه أمّ نهضت عنك وليلة أدّتك ، أشهد أنّك نهيض حرّة وغراس كريم . » ثمّ استمع منه ، وأمر له ببرّ . فقال : - « يا أمير المؤمنين ، ما آخذه لحاجة ، وما هو إلَّا تشرّف بحبائك وتبّجح بصلتك . » وأخذ الصلة وخرج . فقال المنصور : - « لمثل هذا تحسن الصنيعة ، ويوضع المعروف . ويجاد بالمصون ، وأين في عسكرنا مثله ! » وأبطأ المنصور عن الخروج إلى الناس والركوب ، فقال الناس : هو عليل وكثّرا . قال : فدخل الربيع عليه ، فقال : - « يا أمير المؤمنين ، لأمير المؤمنين طول البقاء والناس يقولون . . . » قال : « ما يقولون ؟ » قال : - « يقولون : عليل . » قال : فأطرق قليلا وقال : - « يا ربيع ، مالنا وللعامّة ، إنّما تحتاج العامّة إلى ثلاث خلال ، فإذا فعل بهم فما حاجتهم إذا أقيم لهم من ينظر في أحكامهم ، وينصف بعضهم من بعض ، ويؤمن سبلهم حتّى لا يخافوا ليلهم ونهارهم ، ويسدّ ثغورهم وأطرافهم حتّى لا يجيئهم عدوّهم ، وقد فعلنا ذلك بهم . »